مهارات زوجية

مهارات زوجية

 

زوجي.. لماذا لا أفهمه.. لماذا لا يفهمني ؟!

د. ياسر عبد الكريم بكار

yaserbakkar@yahoo.com

طبيب نفسي- الرياض

  )وليس الذكر كالأنثى( آية قرآنية كريمة تحمل إعجازاً علمياً فريدا.. كنا نعتقد أنها تشير إلى الفروقات البيولوجية العضوية فقط, ومع المزيد من الملاحظة والدراسة تبين أنها تشير أيضاً إلى العالم النفسي الشعوري. هذه الفروقات لها أهمية خاصة لأن القدرة على فهممها سيعزز العلاقة بين الزوجين.. وستقل نداءات الاستغاثة والشكوى من كلا الزوجين: (لماذا لا تفهمني/ لا يفهمني).

   عندما تشرع المرأة في الشكوى لزوجها من أمور الحياة المختلفة.. فإنها تفعل ذلك بشكل أساسي للتخفيف عن نفسها, وللمشاركة العاطفية الشعورية مع شريك حياتها, ولتقبل الدعم والمساندة.. لكن الرجل يستقبل كلامها على أنه تذمر وتبرم أو بحث عن حل.. ولأنه هو المسؤول عن زوجته فسيبادر إلى التبرير (لو فهم أنها تتذمر), أو سيبادر إلى إعطاء الحلول (لو فهم أنها تبحث عن حل) وفي كلا الحالتين لم يلبي حاجتها العاطفية, وستشعر المرأة بالضيق..

دعونا نتأمل هذا المثال..

تعود المدرسة (فاطمة) إلى البيت بعد يوم دراسي متعب.. وتتحدث مع زوجها..

(هي) آه.. العمل أصبح متعباً.. لا أجد وقتاً لنفسي.

(هو) يجب أن تتركي هذه الوظيفة.. لا يجب أن تبذلي كل هذا الجهد.. والتفتي لنفسك.. نحن لسنا بحاجة إلى المال..

(هي) لكني أحب وظيفتي.. مع أن الطالبات أصبحن مزعجات هذه الأيام.

(هو) لا تهتمي أكثر من اللزوم.. فقط اعملي ما يريحك.

(هي) هذا ما افعله.. أوه لقد نسيت الاتصال بوالدتي.

(هو) ستقدر أنك مشغولة لا تخافي.

(هي) كيف لا أخاف وهي مريضة

(هو) أنت تقلقلين كثيراً ولذا لا تشعرين بالراحة.

(هي) لا.. أنا بخير ولست تعبة..!

تقوم (فاطمة) وهي تشعر بالمزيد من الإحباط والتعب.

أين المشكلة في هذا الحوار؟؟

   لاحظ أن (فاطمة) في الجملتين الأولى والثانية من حديثها كانت تحاول أن (تفضفض) عن نفسها لتخفف من الضغط النفسي الذي تتعرض له ولم تكن تبحث عن حل كما فهم الزوج.. وكانت النتيجة الطبيعية لعدم تلبيته لحاجتها العاطفية الشعورية أن يزداد إحباطها وتعبها.

  انظر معي إلى نفس المثال السابق لو فهم الزوج هذه الفكرة وتعامل مع شكوى (فاطمة) على أساسها.. تابع كيف سيسير الحوار:

تعود المدرسة (فاطمة) إلى البيت بعد يوم دراسي متعب.. وتتحدث مع زوجها..

(هي) آه.. العمل أصبح متعباً.. لا أجد وقتاً لنفسي.

(هو) أوه.. الله يعطيك العافية والقوة..

(هي) أحب وظيفتي.. مع أن الطالبات أصبحن مزعجات هذه الأيام.

(هو) نعم.. معك الحق.. (ويربت على يديها)

(هي) أوه لقد نسيت الاتصال بوالدتي.

(هو) (ينظر إليها بعيون مفتوحة مستفسراً).

(هي) أخاف عليها إنها مريضة

(هو) أحب اهتمامك بوالدتك.

(هي) شكرا لك.. أشعر بأنني أصبحت أفضل.

تقوم (فاطمة) وهي ممتنة وشاكرة لهذا الزوج المتفهم.

   لاحظ أن الزوج في الحوار السابق لم يتحدث كثيراً.. لم يعط حلولاً عبقرية.. كل ما قام به هو انه ضغط على نفسه حتى يمنعها من تقديم الحلول.. واستمع وشارك ودعم.. وبالتالي لامس الحاجة العاطفية للمرأة.. ولذا شعرت زوجته بالامتنان.

    النصيحة الذهبية للأزواج هنا هي: التحدث والشكوى لدى النساء هو البلسم الشافي للتخفيف من الضغط النفسي الذي يعانين منه.. وسيكون من المهارة أن تتيح لها الفرصة لتتحدث وكل ما عليك أيها الزوج أن تستمع وتشارك وتدعم.. دون أن تأخذ الأمر على أنه تذمر من تقصيرك أو تحد لقدراتك في إيجاد حلول للمشاكلها.. وبعد أن تنتهي من الاستماع والدعم يمكنك أن تشارك برأي وستكون زوجتك ممتنة لك وشاكرة.

  أوه.. زوجي لا أفهمه..!!

   تبرز أهمية الاختلاف بين الذكر والأنثى مرة أخرى عندما يتعرض الرجل لمشكلة ما.. وهنا تجد المرأة أن من واجبها أن تدعمه وتشاركه شعورياً (كما تحب هي أن يحدث معها).. لكن الرجل ليس كالمرأة فالرجل يفضل الاسترخاء والبحث عن حل للمشكلة بصمت ودون مساعدة من زوجته. إن أي مساعدة من زوجته قد تعني للرجل انه ضعيف لا يستحق الثقة والقبول وهذا فيه خرق لأهم الحاجيات العاطفية للرجل ألا وهي القبول والثقة. تنشأ المشكلة في كثير من الأحيان بين الزوجين لأن المرأة تشعر بأنها محبة عندما تسأل الكثير من الأسئلة تعبيراً عن حبها ورعايتها.. وهذا يسبب للرجل الضيق ويشعر بأنه غير قادر على التعامل مع مشكلاته.. عندما تقدم المرأة نصيحة للرجل أثناء أزمة فهي تخبره ضمناً (كما يعتقد الرجل) أنه لا يعرف ماذا يفعل أو لا يستطيع القيام بما هو ضروري, وبالتالي سيشعر بالضيق. ولتوضيح هذه الفكرة دعنا نلقي نظرة على هذا الحوار:

(محمد) موظف نشيط.. ولكن وفي يوم من الأيام يخبره رئيسه في العمل أن الهدف الذي يجب أن يحرزه كدخل للشركة هو أكثر مما حققه في الأشهر الماضية وأن هذا قد يضر بعمله وقد يؤدي إلى فصله.. يتذكر (محمد) الأقساط والمصاريف المترتبة عليه فيعود إلى البيت مهموماً..

(هي): أراك مهموماً.. خيراً إنشاء الله؟

(هو): لا لا.. ما في شيء.

(هي): كيف ما في شيء.. انظر كيف يبدو شكلك؟

(هو): لا لا ما في شيء.. فقط بعض المشاغل في العمل.

(هي): هـا.. قل لي.. ماذا هناك؟

(هو): قلت لك أشياء بسيطة في العمل.

(هي): كيف تقول أنها بسيطة وأنت تحمل كل هذا الهم.

(هو): يا بنت الحلال قلت لك ما في شي.. أشياء صغيرة وستنتهي.. ما رأيك أن تعدي الشاي.

(هي): لن أقوم من مكاني حتى تقول لي.. ألست زوجتك؟ لماذا لا تحب أن نتشارك.. ألسنا نعيش سوية أم ماذا؟!

(هو) (بضجر): أوه.. يبدو انك تنوين على مشكلة.. من الأفضل أن أدخل إلى الغرفة.

 

من الواضح أن الحوار لم يكن إيجابياً ولم ينتهي بشكل جيد.. لاحظ كيف يمكن أن تسير الأمور لو فهمت الزوجة حاجة الرجل في أن يحل مشاكله بصمت وعندما تحترم رغبته في عدم المشاركة.. ومع ذلك تبقى الزوجة في كل حين جاهزة لأن تسمع وتدعم.. تابع الحوار التالي:

(هي): أراك مهموماً.. خيراً إنشاء الله؟

(هو): لا لا.. ما في شيء.

(هي): تظهر عليك علامات الضيق؟

(هو): لا لا ما في شيء.. فقط بعض المشاغل في العمل.

(هي): ما رأيك في أن أعد لك كأساً من الشاي حتى يصفو ذهنك وتفكر بشكل أفضل.

(هو): شكرا لك حبيبتي.. سأكون ممتناً.

   تقوم الزوجة لتعد الشاي وتعود لتجلس إلى جانبه وهي صامتة وتحترم رغبته في التفكير بصمت وقدرته على التعامل مع كل المشكلات.

   ألا ترى كيف سارت الأمور.. النصيحة الذهبية هنا هي أنه عندما يتعرض الرجل لضغط نفسي فإنه يُفضل الصمت وحل مشاكله بنفسه.. وسيكون ممتناً عندما لا تضغط المرأة عليه للحديث وحين تكون جاهزة لأن تدعمه متى ما أحتاج إلى ذلك, ودون أن تشكك في قدراته على التعامل مع أي مشكلة.

   هذه بعض الأفكار التي وجدتها في غاية الأهمية في ترقية طريقة التفاعل بين الأزواج.. لا استطيع أن أقول أنها قواعد عامة ولكنها مجربة وتصدق على معظم الأزواج.. ألبسكم الله ثوب السعادة والحبور.

Please note: I reserve the right to delete comments that are offensive or off-topic.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

التعليقات على “مهارات زوجية

  1. من المهم جدًا أن نحدد الهدف من الحوار قبل الخوض في الحوار نفسه لتفادي أي مشكلة قد تحدث، ومن ضمن ذلك مثلاً:

    1 – من الممكن أن يكون هدف الحوار هو الحاجة إلى البوح عما يجول بخاطري ففط مع الحاجة إلى مَن ينصت إلى ذلك فقط.
    2 – من الممكن أن يكون هدف الحوار هو الحاجة إلى أن يُقدِّم الطرف الآخر حلاً مناسبًا لمشكلة أعاني منها.
    3 – الحاجة إلى سماع كلمات مدح تزيد من ثقة الفرد بنفسه وتُشعِره بالسعادة بشأن ما أنجزه كما تدفعه إلى بذل مزيد من الجهد للمضي إلى الأمام.

    موضوع رائع يستحق الإشادة والتقدير
    مع فائق احترامي وتقديري للدكتور الفاضل ياسر عبد الكريم